الآمدي

196

الاحكام

الثالث : أنه يلزم من تقييده للاجماع بالاتفاق على أمر من الأمور الدينية أن لا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية . وليس كذلك ، لما يأتي بيانه . والحق في ذلك أن يقال : الاجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقائع . هذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الاجماع . وإلا فالواجب أن يقال : الاجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور . فقولنا : ( اتفاق ) يعم الأقوال والافعال ، والسكوت والتقرير . وقولنا : ( جملة أهل الحل والعقد ) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة . وقولنا : ( من أمة محمد ) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع السالفة . وقولنا في : ( عصر من الاعصار ) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر . وإلا أوهم ذلك أن الاجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الأعصار إلى يوم القيامة . وقولنا : ( على حكم واقعة ) ليعم الاثبات والنفي ، والاحكام العقلية والشرعية . وإذا عرف معنى الاجماع ، فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به . المسألة الأولى اختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير معلوم بالضرورة : فأثبته الأكثرون ، ونفاه الأقلون ، مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل ، أو عن دليل ظني . لا جائز أن يقال بالأول ، وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطئ الجمع الكثير على إخفائه ، فحيث لم ينقل ، دل على عدمه . كيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم ، ولا جائز أن يقال بالثاني ، لأنهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق والعناد ، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد ، كما أنها تحيل اتفاقهم على أكل